مهدي الفقيه ايماني
113
الإمام المهدي ( ع ) عند أهل السنة
وربما قام اليه وعانقه وآنسه وقال له أحمد اللّه الذي طهرك وأظهر له السرور والبشاشة به وربما أحسن اليه بعد ذلك هذا ميزانه ويرجع لذلك المحدود رحمة كله وقد رأيت ذلك لبعض القضاة ببلاد المغرب قاضى مدينة سبتة يقال له أبو إبراهيم بن يغمور وكان يسمع معنا الحديث على شيخنا أبى الحسين بن الصائغ من ذرية أبى أيوب الأنصاري وعلى أبى الصبر أيوب الفهري وعلى أبى محمد بن عبد اللّه الحجري بسبتة في زمان قضائه بها وما كان يأتي إلى السماع راكبا قط بل يمشى بين الناس فإذا لقيه رجلان قد تخاصما وتداعيا اليه وقف اليهما وأصلح بينهما غزير الدمعة طويل الفكرة كثير الذكر يصلح بين القبيلتين بنفسه فيصطلحان ببركته والقاضي ان لقى معه الغضب على المحدود بعد أخذ حق اللّه منه فهو غصب نفس وطبع أو لامر في نفسه لذلك المحدود ما هو غصب للّه فلذلك لا يأجره اللّه فإنه ما قام في ذلك مراعاة لحق اللّه وهذا من قوله تعالى وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ فابتلاهم أوّلا بما كلفهم فإذا عملوا ابتلى أعمالهم هل عملوها لخطاب الحق أو عملوها لغير ذلك وهو قوله عز وجل أيضا يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ وهذا ميزانه عند أهل الكشف فلا يغفل الحاكم عند إقامة الحدود عن النظر في نفسه وليحذر من التشفي الذي يكون للنفوس ولهذا نهى عن الحكم في حال غضبه ولو لم يكن حاكما في حق من ابتلى بإقامة حد عليه فان وجد لذلك تشفيا فيعلم انه ما قام في ذلك للّه وما عنده فيه خير من اللّه وإذا فرح بإقامة الحد على المحدود ان لم يكن فرحه له لما سقط عنه ذلك الحد في الآخرة من المطالبة والا فهو معلول وما عندي في مسائل الاحكام المشروعة باصعب من الزنا خاصة ولو أقيم عليه الحد فانى أعلم انه يبقى عليه بعد إقامة الحد مطالبات من مظالم العباد واعلم أن غير الحاكم ما عين اللّه له إقامة الحد عليه فلا ينبغي أن يقوم به غضب عند تعدى الحدود فليس ذلك الا للحكام خاصة ولرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حيث ما هو حاكم فلو كان مبلغا لا حاكما لم يقم به غضب على من رد دعوته فإنه ليس له من الامر شئ وليس عليه هداهم فان اللّه يقول في هذا للرسول صلى اللّه عليه وسلم ان عليك الا البلاغ وقد بلغ فأسمع اللّه من شاء وأصم من شاء فهم أعقل الناس أعنى الأنبياء وإذا كوشف الداعي على من أصمه اللّه عن الدعوة فما سمعها لم يتغير لذلك فان الصائح إذا نادى من قام به الصمم وعلم أنه لم يسمع نداءه لم يجد عليه وقام عذره عنده فإن كان الرسول حاكما تعين عليه الحكم بما عين اللّه له فيه وهذا علم شريف يحتاج اليه كل وال في الأرض على العالم * واما علم ما يحتاج اليه الملك من الارزاق فهو ان يعلم أصناف العالم وليس الا اثنان وأعنى بالعالم الذي يمشى فيهم حكم هذا الامام وهم عالم الصور وعالم الأنفس المدبرون لهذه الصور فيما يتصرّفون فيه من حركة أو سكون وما عدا هذين الصنفين فما له عليهم حكم الامن أراد منهم ان يحكمه على نفسه كعالم الجان وأما العالم النوراني فهم خارجون عن أن يكون للعالم البشرىّ عليهم تولية فكل شخص منهم على مقام معلوم عينه له ربه فما يتنزل الا بأمر ربه فمن أراد تنزيل واحد منهم فيتوجه في ذلك إلى ربه وربه يأمره ويأذن له في ذلك اسعافا لهذا السائل أو ينزله عليه ابتداء واما السائحون منهم فمقامهم المعلوم كونهم سياحين يطلبون مجالس الذكر فإذا وجدوا أهل الذكروهم أهل القرآن الذاكرون القرآن فلا يقدمون عليهم أحدا من مجالس الذاكرين بغير القرآن فإذا لم يجدوا ذلك ووجدوا الذاكرين اللّه لا من كونهم تالين قعدوا إليهم ونادى بعضهم بعضا هلموا إلى بغيتكم فذلك رزقهم الذي يعيشون به وفيه حياتهم فإذا علم الإمام ذلك لم يزل يقيم جماعة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ والنهار وقد كنا بفاس من بلاد المغرب قد سلكنا هذا المسلك لموافقة أصحاب موفقين كانوا لنا سامعين وطائعين وفقدناهم ففقدنا لفقدهم هذا العمل الخالص وهو أشرف الارزاق وأعلاها فأخذنا لما فقدنا مثل هؤلاء في بث العلم من أجل الأرواح الذين غذاؤهم العلم ورأينا ان لا نورد شيئا منه الامن أصل هو مطلوب لهذا الصنف الروحاني وهو القرآن فجميع ما نتكلم فيه في مجالسى وتصانيفى انما هو من حضرة القرآن وخزائنه أعطيت مفتاح الفهم فيه والامداد منه وهذا كله حتى لا نخرج عنه فإنه أرفع ما يمنح ولا يعرف قدره الا من ذاقه وشهد منزلته حالا من نفسه وكلمه به الحق في سرّه فان الحق إذا كان هو المكلم عبده في سرّه بارتفاع الوسائط فان الفهم يستصحب كلامه منك فيكون عين الكلام منه عين الفهم منك لا يتأخر عنه فان تأخر عنه فليس هو كلام اللّه ومن لم يجد هذا فليس